1 أغسطس، 1994 م ـ 24 صفر 1415 هـ
في الحروب الاهلية تختفي دوماً وجوه وتصعد اخرى، ولا حاجة الى ذكر اصحاب الوجوه التي اختفت في الحرب اليمنية الاخيرة، ولعل هناك فائدة في البحث عن الوجوه الباقية في الحزب الاشتراكي التي يمكن ان يكون لها دور ما في المستقبل. لكن الصورة في ذلك المعسكر ما بين عدن وصنعاء لا تزال قاتمة تحكمها ظروف الحزب نفسه الذي لم يتعود افراز قياداته “ديموقراطياً”، ويحكمها ايضاً اصحاب القرار في صنعاء الذين يبدو انهم لم يتخذوا قرارهم بعد وهل سيعطون الاشتراكي حقنة للحياة ام للموت. الحديث أسهل عن الوجوه الصاعدة في معسكر المنتصرين، وهم كثر. واضافة الى الوجوه الثلاثة التي اخترنا الحوار معها، اذ انها تعبّر عن القادمين الجدد من مشارب مختلفة، ولكن يجمع بينها خيط واضح، هناك وجوه اخرى من ابرزها الدكتور محمد سعيد العطار الذي حلّ محلّ المهندس ابو بكر العطاس كرئيس للوزراء، واثبت قدرة “تكنوقراطية” في ادارة وزارة زمن الحرب على رغم تقدمه في السن. والامين العام للتجمع اليمني للاصلاح عبدالوهاب الآنسي الذي اثبت ان الاسلاميين يستطيعون الادارة والمشاركة في الحكم بقدر ما يحسنون الخطابة والوعظ والارشاد. ومحافظ حضرموت صالح عباد الخولاني الذي اصبح المحافظ الوحيد المطلوب شعبياً في زمن “الاشتراكي” وزمن الوحدة. وفيصل بن شملان الذي تدرّج في وظائف ادارية بحتة في مصفاة عدن وابتعد عن صراعات الاشتراكيين ليرأس المصفاة ثم وزارة البترول. واحمد مساعد حسين الذي نجا من كراهية ابناء شبوة وبقية المحافظات الجنوبية والشرقية، فهو رئيس الامن السياسي في عهد الرئيس السابق علي ناصر محمد - وهل هناك من يحب رؤساء الامن في دولة شمولية مثل “جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية” سابقاً - واصبح وزيراً للنقل. وعبدالله علي عليوة محافظ الجوف الذي فتح الطريق لقوات الشرعية الى حضرموت. وعبدالقادر باجمال منظر الاشتراكية السابق في دولة الجنوب سابقاً، والمنظر لاقتصاد السوق حالياً في اليمن الموحد كنائب لرئيس الوزراء ومهتم بتحويل عدن الى منطقة حرة.
اما العسكريون فأبرزهم وزير الدفاع عبدربه منصور هادي الذي ترك عدن مهزوماً عام 86 ودخلها منتصراً عام 94 ليستقر في معقل الاشتراكي الحصين المعاشيق حاسماً سلسلة طويلة من الصراعات، وليصبح اقوى رجل في عدن.
لواء وعقيد
وهناك لواء بأكمله برز في الحرب هو العمالقة الشمالي وقد تحوّل اسمه الى رمز بين اليمنيين يذكّرهم برئيسهم السابق ابراهيم الحمدي مؤسس اللواء. وكسب قائده علي الجايفي رصيداً جيداً، و مثله العقيد محمد اسماعيل قائد محور حضرموت والذي يشكّل مع وزير الدفاع أبرز اثنين من مجموعة علي ناصر التي لا يعرف احد هل تقتصر علاقتها بالرئيس السابق على الاسم ام تتجاوز ذلك.
اما الصاعد باستمرار ولا يتحدث عنه احد فهو العقيد علي محسن الذي اتخذ من العند العنيدة سابقاً مقراً له. فهو قائد المعركة الحقيقي كما يؤكد كثيرون. وهو ايضاً لا يتحدث الى أحد، خصوصاً الصحافيين، ولا يظهر على شاشات التلفزيون. انه ينام ملء جفونه عن شواردها ويسهر الخصم من جرّاها ويختصم، ما بين قائل انه ساند الاصوليين الاوائل في اليمن، وآخر يقول انه “ضابط” الاصوليين، وثالث يرى انه رجل الرئيس علي عبدالله صالح للمهمات الصعبة، ولا شك في ان موضوع الاسلاميين من اصعبها.
ان الدخول في خفايا الاسماء السابقة وتحليل علاقتها المتقاطعة في ما بينها، وبين الثابتين وغير المتحولين في اليمن، الرئيس علي عبدالله صالح ووزير التخطيط عبدالكريم الارياني وعضو مجلس الرئاسة عبدالعزيز عبدالغني، يمكن ان يعطي صورة قريبة للحقيقة ليمن المستقبل ولكن من يملك الخفايا والخيوط؟
تصادم أم تنمية؟
الاجماع هو ان الاصولية كسبت جولة في اليمن، وان طريقها اصبح افضل تمهيداً مما كان سابقاً. من هنا ينقسم الناس، خصوصاً السفراء والمراقبين بين متشائم ومتفائل.
المتشائم يرى ان صداماً قادماً بين القوتين الباقيتين على الساحة اليمنية، الاصلاح الاسلامي والرئيس وحزبه المؤتمر الشعبي. ويراهن على ان للاصلاح او جناح “الاخوان” فيه مشروعاً سياسياً لاقامة دولة اصولية كالتي في السودان او ايران، على رغم انها في اليمن اقرب الى حزب الاقلية الزيدي، وان الرئيس في أحسن الاحوال لن يسمح لأحد بأن ينافسه سلطته، خصوصاً بعدما انفرد بلقب “موحد اليمن” بعدما كان نائبه السابق علي سالم البيض شريكه في صنع الوحدة. وثمة من يعتقد بأن علي عبدالله صالح لن يتمتع بإنجازه طويلاً اذا استمر تحالفه مع الاسلاميين فالضغوط الدولية بدأت، ومحاصرة اليمن اقتصادياً ماضية. والحل هو بالتخلص من الاصوليين او بعضهم.
ويمضي المتشائمون في ان الاصلاح لن يقبل بتحييده، وسيضطر زعماؤه الى تحديد مواقعهم، فينسحب زعيم التجمع الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر الى موقع الرئيس، فهو اقرب اليه من “الاخوان” وينقسم هؤلاء بين متشددين ومعتدلين فيلحق المعتدلون بركب الحكومة، ويعمد المتشددون الى العنف وتدخل اليمن في دوامة الجزائر ومصر. انه سيناريو مزعج واليمن في غنى عنه فالبلد يحتاج الى استقرار لبناء التطور والتنمية.
اما المتفائلون فيبدون أرفق باليمن من سابقيهم، فهم يرون ان المرحلة القادمة ستشهد تعاون جميع الاحزاب في نهضة تنموية شاملة مستفيدة بذلك من الخيرات البترولية التي سيشترك فيها جميع المواطنين، فتنتهي الصراعات الدموية الحادة، ولتحل محلها صراعات سياسية في مجلس النواب وأروقة الحكومة. ولا بأس من تظاهرات ومسيرات سلمية في شوارع صنعاء - وعدن في وقت لاحق بعد نجاح التجربة في صنعاء - فالاصلاح والمؤتمر متقاربان فكرياً. والمؤتمر ينوي تفعيل قانون الاحزاب وتقديم ميثاقه ككلمة سواء تجمع كل ابناء اليمن، وكلا الامرين يرضي الاصلاح. ذلك ان قانون الاصلاح يمكن ان يحجم الاحزاب “المتطرفة فكرياً او دينياً او علمانياً”. اما ميثاق المؤتمر الشعبي فقد شارك فيه الاسلاميون ايام عهد الحزب الواحد في اليمن الشمالي برئاسة علي عبدالله صالح، وهي المرحلة التي يصفها مستشار الرئيس وأحد المقربين اليه عبدالسلام العنسي بأنها “أفضل مراحل اليمن استقراراً وانتاجاً” واستمرت طوال الثمانينات وأنهتها الوحدة عام 1990 ولعلها تستأنف من جديد.
ويرى المراقبون المتفائلون ان الاصولية ظاهرة عادية في بلد محافظ يتمتع فيه العلماء بدور مهم في الحياة السياسية والعامة، وهو دور موروث منذ عهد الامام الذي كان يجمع بين السلطة الزمنية والروحية، وعندما قامت الثورة شارك فيها العلماء وأيدوها فحافظوا على موقعهم المتميز، على رغم ان الوجوه والافكار تغيرت، اذ تراجعت المذهبية الزيدية وحلّ محلها اسلام جمهوري قريب من فكر “السنّة والجماعة”، ويحتكم الى القرآن والحديث ويبتعد عن التقليد، ولكن بقيت “السلطوية الزيدية” في يد الأسر والقبائل والمناطق التي حكمت يوماً حول الامام بفكر زيدي متعصب، وتحكم اليوم بفكر اسلامي حديث او ليبرالي اكثر حداثة.
مرونة الاسلاميين
كما ان تاريخ العلاقة بين الحركة الاسلامية والحكومة في اليمن لم يعرف مؤامرات وانقلابات او حتى مجرد الاتهام بالتآمر على رغم وجود عدد كبير من ابناء الحركة وانصارها في الجيش في المواقع والاجهزة المختلفة، وهذه حالة تميز بها اليمن. بل ان كثيراً من وجوه التعاون بين الطرفين وابدت الحركة مرونة في التراجع موقتاً الى الظل عندما كانت تلوح اي مواجهة مع السلطة، كما حصل عندما تنازلت عن الموقع الثاني الذي احرزت في الانتخابات الاخيرة، لمصلحة الحزب الاشتراكي الذي كان في الموقع الثاني، مهدداً الأول بحكم قوته العسكري. ولا يعقل ان تتنازل الحركة مرة اخرى بعدما خسر الاشتراكي قوته العسكرية والمالية ايضاً، والارجح انها ستحصل على موقعها الثاني في السلطة، بعدما اثبتت انها شريك امين وقادر في الوقت نفسه. لكن ذلك سيتم عبر المفاوضات والتحالفات السياسية، وليس بالقوة او بالتهديد.
تقارب فكري
ان التقارب الفكري بين المؤتمر والاصلاح حقيقي ويجعل الخلاف بينما امراً يسهل التحكم به وبنتائجه، ووجود قيادات فكرية في المؤتمر تتباين مع فكر الاصلاح عبدالكريم الارياني وعبدالعزيز المقالح ليس بالامر الخطير، فهما ليسا في مناطق التماس والخلاف فكري والحرب الاخيرة اثبتت تعاوناً.
ونقل ديبلوماسي عربي عن وسيط تعددت زياراته لليمن اثناء الازمة قوله ان الاصلاح ليس بالحزب المتطرف، لكنه يسمح بأجنحة متطرفة بالعمل تحت جناحه الكبير، والمقصود بذلك جماعة “الجهاد”. علماً ان الشيخ طارق الفضلي الذي يفترض ان يكون زعيم هذا التيار نفى بشدة وجود تنظيم “الجهاد”. وكشف في حواره مع “الوسط” عن رغبته في الانضمام الى أحد الحزبين الكبيرين المؤتمر او الاصلاح، وأعلن قبوله بمبدأ الديموقراطية والانتخابات والتعددية السياسية، وبالتالي لا يبقي شيء من فكر “الجهاد” التقليدي والمعروف في مصر والجزائر الا وقد نقضه.
ويمكن القول ان الشباب الذين تبنوا “الجهاد” وسيلة لحسم خلافهم مع الحزب الاشتراكي اصبحوا بلا قضية الآن بعد هزيمة الحزب وسينصرفون الى حياتهم العادية، بعدما اختفى خصمهم ولم يعودوا ملاحقين، واختفت ملفاتهم الامنية. وهذا بالفعل ما حصل اذ عمد بعضهم الى سحب الملفات الامنية لعشرات المتهمين في قضايا “الجهاد” في عدن والمكلا من سجلات “الامن الاشتراكي” وأحرقت. وربما ظهر بعضهم في وقت لاحق مسؤولاً سياسياً في واحد من الحزبين الكبيرين.
اذا صحت توقعات المتفائلين فان القادمين الجدد في اليمن تيار يمني وطني محافظ مع لمسة اسلامية ظاهرة، باعادة بناء البلاد من جديد، وستختفي من الساحة السياسية الاتجاهات المتطرفة يميناً ويساراً، ولن تكون هناك معارضة قوية ما دام أن المؤتمر والاصلاح شريكان متفقان، لكن سلبية ذلك ان وهج التعددية سيبهت وتصبح السياسة اليمنية رتيبة مملّة.
المصدر: الحياة
* اعلامي وكاتب سعودي
jamal@khashoggi.com
twitter:@jkhshoggi

